منبرالراي

فن العيش في الخضم الكوروني : علاقة الجانب النفسي التعليمي بكل ما هو خطر إجتماعي

إنّ المتأمل في المجتمع التونسي اليوم يتبيّن حتما الدافع الفردي من أجل البقاء والذي يتجسّد أساسا في سعي الآباء لتأمين أكثر ما أمكن من متطلّبات الزوجة والأبناء. إنّ هذا الدافع التدافعي شمل المجتمعات الشرقية بصفة عامة و “أعتى” المجتمعات التي تدّعي التآزر والديمومة الكونية مما عرّى مخلّفات تاريخية ونفسية واجتماعية وحضارية وعلى وجه الخصوص تربوية.

إذ نتبيّن من خلال الأزمة التي حلّت بإيطاليا جرّاء انتشار الوباء عجز بل ضعف الأوروبيين وغيرهم من الدول المتقدمة على تأمين التآزر العام وأدنى حقوق الإنسان.

الغرب الديمقراطي، الذي لطالما أصمّ آذاننا بحقوق الإنسان ودمقرطة التعليم وكرامة المواطن أغلق اليوم أبوابه في .اتجاه مصلحة ذاتية وألغى كل قيم التضامن الكون

ها هو المجتمع التونسي يغادر الوطن أشلاء. ما بين فرنسا وكندا وسويسرا، نجد الطبيب والمهندس والأستاذ يغادرون البلاد تحت رايتين اثنتين :”في الخارج يحترمونا ويقدرو قدراتنا / الأوروبيين متحضرين”. عن أيّ تحضّر نتحدّث والحال أنّ كل التحالفات الزائفة انفضحت في ظل هذه الأزمة.

هل نحن حقا إزاء أزمة الديمقراطية أم دمقرطة الأزمة ؟ وهل أنّ عصر ما بعد الكورونا سيختلف عما هو سائد أم ستظل القوميات مع خرافة العولمة والتضامن البشري؟

ولكن ما يثير اهتمامنا أكثر  أي السبل الأقدر على القضاء على هذا الخطر الاجتماعي الذي يهدد البشرية ؟ هل هو التعليم ” الهشّ” “اللاديمقراطي” و”اللامواكب للعصر” ؟

نتبيّن من خلال هذه الأزمة وخاصّة فيما يتعلّق بكيفية إنهاء السنة الدراسية أنّ المدرسة التونسية لاتزال بعيدة كل البعد عن دمقرطة التربية باعتبارها تكوين لشخصية اجتماعية ذات نزعة علمية فردية ونقدية. المدرسة التي تعجز اليوم عن تكوين متعلّم في منزله في  القرن الحادي والعشرين هي مدرسة تقليدية من حيث البنية التحتية والبرنامج الذي تتبعه منذ سالف العصر.

إذ نلاحظ أنّ المتعلّم الذي أنتجته المدارس التونسية اليوم حتى لا نقول الذي أفشلته المدرسة من خلال ما تفرضه من تعلّمات وصيغ تعليمية تقليدية تحول دون قدرته على مجابهة الجائحة من شتى النواحي.

فالتربية في القرن الحادي والعشرين لا بدّ أن تغيّر مسارها وترتكز على كفايات جديدة، كأن  نربي المتعلّم على التعلّم الذاتي. يتعلّم كيف يتعلّم، كيف يفعل، كيف يكون وكيف يتعايش مع المجموعة. فالطّفل الذي يتعلّم كيف يتعلّم هو ذلك الذي يعتمد على ملكة الانتباه والتفكير الممنهج. هذا النسق التعليمي الذي يتدرّب خلاله على تركيز انتباهه على كلّ ما حوله من أشخاص وأشياء، ربط المعطيات المتوفّرة ببعضها البعض من حاجة إلى الحجر وغسل اليدين بشكل مستمرّ وبناء استنتاجاته حول هذه الضرورة. أمّا أن يتعلّم كيف يفعل، فمعنى ذلك أن ينمّي مهاراته الحياتيّة كالتواصل، حلّ المشكلات ومواجهة الأزمات من خلال التنسيق مع المجموعة والمبادرة.

أمّا أن يتعلّم كيف يكون فهي من أهم ركائز التربية ، إذ تكون للمتعلّم الحريّة المطلقة في التعبير عن رأيه إزاء موضوع ما من زاوية تخصّه، أي أن نجعله مستقلا بذاتهle maitre de son destin »  «، وهو فعلا ما تمّ تغييبه في البرامج التعليمية التونسية التي أنتجت مجتمعا متخلفا. هذا التخلّف نتبيّنه خاصّة من خلال حاجتنا اليوم إلى تعليم أبنائنا ضرورة النظافة من أجل مجابهة الوباء Covid-19 بل وضرورة التأكيد هنا وهناك، من المحطات الإعلامية إلى المجلات التوعوية عن ضرورة الحجر الصحي والحال أنّ الفئة التي تجتاح الشارع متسللة أحيانا هي الفئة المسجلة بالمدارس والمعاهد والجامعات.

ونرى أيضا الحملة التي أطلقتها وزارة المرأة تحت الرقم 1899 “المرأة المسلط عليها العنف وإلا الطفل الي لقىتوه محلّ شغب من خلال الأسئلة الكثيرة الي يطرحها تنجمو تتصلو بالرقم 1899 وتلحقوهم بمركز إيواء “.

 هل صحيح أنّ  المجتمعات “المتربية” في حاجات إلى مراكز إيواء لتبرير ذلك العنف تحت طائلة “الكورونا”؟ هل أنّ الطفل المتسائل أضحى مصدر شغب ؟ وهل حقا تعلّمنا فن العيش في المدرسة؟ هل أنّ المدرسة تؤدي حقّا الواجب التوعوي القيمي لتعدّ جيلا مستقلا وذا كينونة اجتماعية علمية ؟

وماذا عن منظّمة اليونسكو التي لطالما ركزت على أهميّة تعلّم الأطفال التعايش الجماعي من تنمية الحسّ المدني عن طريق إدراك الفرد حقوقه وواجباته ووعيه بموقعه داخل المجموعة، إذ يدرك المتعلّم أصل الخلافات القائمة بين عديد الأطراف ويكتسب موقفا شخصيّا وواعيا من العادات المرسخة في المجتمع.[1]

هل نحن اليوم في ظل هذه الأزمة أمام أطراف واعية ومتموقعة داخل المجموعة بل داخل العالم بل داخل الكون؟  

 لماذا لا يتغيّر المجتمع ليخرج من وطأة الانتماء لثقافات غربية ويبني ثقافة خاصّة به ؟ لماذا لا نخرج المؤسسات التربوية من الإطار الذي يحصرها إلى إطار أوسع يسمح للمتعلّمين بالإنتاج بشكل مستمرّ؟  

فمن الأمثلة الحيّة نجد الإنتاج تحت الضغط. طلبة ال « ISET » التي لطالما قيل عنها أنها مؤسسة جامعية أقل قيمة من كليات الهندسة تنتج اليوم وسيلة طبع الأقنعة الطبيّة والمساجين الذين اجتهدوا في صنع أقنعة الوقاية وكذلك العاملات اللاتي يسهرن على الإنتاج بالمصانع إلى جانب عاملي النظافة الذين يباشرون عمليات التعقيم. أين مخرجات المدرسة من هذا الوعي إذا؟ أيّهما السجين: المسجون أم الطالب؟ 

اليوم وإثر هذه الأزمة نحن في حاجة أكيدة إلى تسليط الضوء على البرامج التعليمية ولا بدّ أن نركز على الأهداف التالية :

  • بناء شخصيّة الطّفل على الفكر، الشكّ، الحوار، الاختلاف، النّقد والحكمة نظرا لما يعيشه الأطفال اليوم من تهميش وانسياق وراء كلّ ما يُقدّم لهم في وسائل الإعلام.  
  • التّقليص من سيطرة “مُجتمع العدد” والتّأسيس لـ”مجتمع القيم” والتوسع الثقافي الاجتماعي، فما نُلاحظه اليوم هوأنّ أغلب التّلاميذ لا يسعوْن إلاّ لنيل أعداد مرتفعة وأنّ تقييمهم ودرجة ذكائهم لا تحدّدها إلاّ الأعداد النهائية التي تميّز هذا عن ذاك.
  • صُنع شخص يُقدّر ذاته ويحترم غيره ويثق في نفسه أي مواطن لا يحتاج اليوم إلى سلطة عليا لضمان مصالحه الفردية.
  • بناء تلميذ يتكلّم ويؤمن بقدرته على صُنع الكلمة، على ابتكار الفكرة، والتعبير والدفاع عنها وعلى التّنازل عن الخطإ بل واعتبار نسبية هذا الكون نظرا لما نعيشه اليوم من إحساس باللانهاية.

فالتربية على التفكير إذن تساعد على تكوين شخصية المتعلم وترسخ لديه قيم العيش مع الآخر حيث  يرى مونتيني  Montaigneأن من بين جميع الفنون التي يجب تعليمها للطفل ينبغي إعطاء المكانة الأولى لفن العيش الصحيح، يقول: “لأنه يبدو لي أن الخطابات الأولى التي ينبغي أن نغذِّيَ بها إدراكَه يجب أن تكون الخطابات التي تنظم أخلاقَه وحسَّه وتُعلِّمه أن يتعرف إلى نفسه ويعرف كيف يموت كما ينبغي ويحيا كما ينبغي”[2]

لابدّ من الاستعداد إلى العصر ما بعد الكوروني، لابدّ من تجاوز التصحّر الثقافي وترويج الضحالة في المناهج التربوية حتى نتمكن من إنتاج مواطن سوي اجتماعيا ونفسيا في إطار الأزمات. وهو تحديدا ما نصّ عليه فيليب كاديو Philippe Cadiou  مبرزا دور المدرسة :

L’école ne peut éviter la reproduction et l’imitation sociale des élites, mais elle peut inventer le lieu politique de la subjectivité, elle peut construire des contre-modèles à la sélection et la compétition, elle peut créer les racines de la culture par-delà les seules finalités utilitaires et professionnelles de l’instruction. En protégeant la subjectivité, elle a une chance de protéger le cœur de l’intelligence, cette dimension du sujet où nous voyons jaillir le plus sûrement une  réserve de « liberté » à venir.[3]

فنخلص إلى أنّ التحول الديمقراطي يتطلّب بالضرورة نسقا ثقافيا يتبلور عمليا في أنماط السلوك والعلاقات والتفاعلات بين الدولة والمجتمع وبين المجتمع والمدرسة، حيث لا يجب أن يستبق كل جهاز الآخر بل لا بدّ أن يتم أي تحول في أي مجال على أساس المشاركة

 ولا بدّ من اتخاذ التدابير المناسبة التي تقوم على تهيئة البيئات التربويّة التي تساعد على نجاح التربية من أجل التفاهم الدولي.

ولكي تصبح هذه المؤسسات أماكن مثالية لممارسة التسامح والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان واحترام التنوع الثقافي.[4]

 فالمدرسة التي تعتمد مبدأ “شحن الأذهان بالمعارف” لم تعد مسايرة للوضع الراهن؛ وتم الاستعاضة عنها بمدرسة متناغمة مع المهارة وحسن التصرف ، مدرسة تؤثر إيجابا في الأبعاد العاطفية والمعرفية والاجتماعية للشخصية، مدرسة تتحد مقتضيات العالم المتطور، وتقترح تعلمات مناسبة وذات جودة عالية من أجل تأهيل مواطن الغد، أي مواطني تميز بملمح دائم التطور، مواطن كوني بكل ما تحمله الكلمة من معنى.


Commission internationale sur l’éducation pour le XXIe siècle de l’UNESCO Éduquer[1]

Aujourd’hui ANI 1105 Deuxième édition Juin 2000 

 [2]ميشيل دو مونتيني Michel de Montaigne، مقالات 1، باريس، غاليمار، سلسلة فوليو/كلاسيك، 1997، ص233

 [3]    L’école, la culture, la démocretie ;  Philippe Cadiou ; p 27

[4]   مجلة العلوم التربوية، العدد الرابع، ص55

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق