
جمال قتالة
في مكانها يبدو خياراً سردياً صائباً. كشف هوية الشخصية أو ما سيحدث بعدها سيحرم القارئ الجديد من إحدى اللحظات المهمة في الجزء الأول.
تتحول هذه الشخصية، بذلك، إلى أحد مفاتيح الرواية من دون أن تكون شخصية معلناً عنها منذ البداية. يظهر حضورها أولاً، ثم يتضح معناها مع تقدم الحكاية.
«ثمن السقف»… حين يصبح البيت انتصاراً
لا يحيل عنوان الرواية إلى السكن بمعناه المادي وحده. فالسقف يتحول تدريجياً إلى رمز للأمان الذي تبحث عنه البطلة، وللاستقرار الذي تفتقده، ولمكان تريد أخيراً أن يكون لها فيه حضورها الكامل.
تمر هذه الرحلة عبر العمل، والمسؤوليات، والخيارات الصعبة، والفرص التي ينبغي اقتناصها في الوقت المناسب. لا شيء يأتي بوصفه حقاً مضموناً أو مكسباً جاهزاً.
الطريق مليء بالعقبات، لكنه يتشكل أيضاً من قرارات تسمح للبطلة، خطوة بعد أخرى، بتغيير موقعها في الحياة.
من خلال «ثمن السقف»، تحول مريم راتور تجربتها إلى رواية تتجاوز حدود الحكاية الفردية، وتلامس قضايا أوسع: الأمومة المبكرة، ووضع الأم العزباء، وغياب السند، والهشاشة الاجتماعية، ونظرة المجتمع، والشعور بالظلم.
تأتي الكتابة مباشرة وواضحة، من دون إفراط في الزخرفة الأسلوبية. تركز الكاتبة على المواقف والشخصيات وحركة الحكاية، وتترك للقارئ مهمة تقدير الأثر الذي تتركه التجارب المتتالية في البطلة.
ولم يبق الكتاب محصوراً في دائرة قرائه الأولى.
ففي العام الماضي، ظهر «ثمن السقف» في مناسبات عدة ضمن قوائم أفضل مبيعات أمازون في فئة «الخيال السيري»، ووصل إلى المرتبة الأولى في قائمة أفضل 15 كتاباً، كما ظهر مرات عدة ضمن قائمة أفضل 20 كتاباً. وشهد الكتاب كذلك ثلاث مرات نفاداً من المخزون على المنصة.
وفي الجزائر، تتولى مكتبة «L’Arbre à Dire» في سيدي يحيى، الجزائر العاصمة، حصرياً بيع الكتاب. وقد نفد من مخزونها أيضاً، في مؤشر إضافي إلى الاهتمام الذي أثارته الرواية لدى القراء الجزائريين.
هذه الأرقام تعكس الاستقبال التجاري للكتاب، ولا يمكن، بطبيعة الحال، أن تشكل وحدها حكماً على قيمته الأدبية. لكنها تقدم مؤشراً واضحاً إلى أن الحكاية التي اختارت مريم راتور روايتها وجدت جمهوراً يتابعها.
في ختام القراءة، تبدو «ثمن السقف» حكاية امرأة ترفض أن تترك ماضيها يقرر وحده شكل مستقبلها. إنها حكاية أم عزباء اضطرتها المحن إلى النضج قبل أوانها، فتعلمت الاعتماد على نفسها وحماية ابنتها في بيئة لم يكن الدعم فيها متاحاً.
عند هذه النقطة، يكتسب عنوان الرواية دلالته الأعمق.
فالسقف لم يعد مجرد أربعة جدران ومساحة للعيش. إنه يصبح صورة ملموسة لما انتزعته البطلة لنفسها: حياة تختارها، وأمان تبنيه، وحرية تصل إليها بعد أن دفعت ثمنها.
.