آراء

السّيــاحة: الأعـراف يحصدون ثمار عمليّـة سوسة

وقد تمّ إعلان حالـة الهلع القُصوى في هذا القطاع من طرف المستثمرين وانخرطت الدّولـة من جهتها، بمختلف أجهزتها في الحملة الداعية الى مساعدتهم فتبنّت ما رفعه مالكو المنشآت السياحيّة الكُبرى من دعـوات ومطالب بهدف ما أُطلق عليه “إنقـاذ السياحة” و “إنقاذ الاقتصاد” و”إنقاذ الدّولة” و “إنقاذ التّجربـة الدّيمقراطيّة” إلى غير ذلك من العناوين التي تغطّي في حقيقة الأمـر تظافر جهود الدّولة القـائمة وأصحاب الأعمال والنّزل السياحيّة الفخمة لإنقـاذ هذه الممتلكات.

 و قد أتاحت العمليّة الإرهابيّة الأخيرة لمختلف هذه الأطراف الفرصة فسارعت لاقتناصها لبثّ دعايتها حول أهميّة السياحة في الاقتصاد التونسي ولجأت إلى تعداد مزايا هذا القطاع ولم تتردّد في التذكير بمئات الآلاف من العمّال المشتغلين في هذا القطاع ومن العائلات التي تقتات منه في محاولـة منها لإثـارة شفقة الطّبقات الكادحة وحتّى أولئك الذين لا تلحقهم أيّة منفعة لا من بعيد ولا من قريب من هذا القطاع. فأين تبرز أهميّة قطاع السياحة في الاقتصاد في تونس؟ يساهم القطاع السياحي في تونس بـحوالي 7 % من الناتج الداخلي الخام و هو يشغّل 380.000 عـامل بشكل مباشر وغير مباشر. وقد سجّلت السياحة التونسية حسب الأرقام الرسمية سنة 2014 ارتفاعا في القيمة المضافة بـنسبة 3.5% مقابل 2.1% سنة 2013 وارتفاعا في المداخيل السياحية بنسبة 10.7% مقارنة بسنة 2013 إذ بلغت قيمتها 3.575,6 مليون دينار وإن كانت متأتية أساسا من انخفاض قيمة الدينار مقابل العملات الأجنبية الرئيسية وبنسبة 1.5% مقارنة بسنة 2010، وذلك رغم تراجع الوافدين بـنسبة 3.2% وتراجع عدد الليالي المقضاة مقارنة بسنة 2013، وهكذا فقد بلغت مساهمة السياحة في النمو الاقتصادي نسبة 0.2%. لكن هذه الأرقام والمعطيات، التي تبهر المطّلع عليها، تحجب في داخلها عديد الحقائق، خصوصا في علاقة بالمستوى الاجتماعي.

 فآلاف المليارات العائدة تذهب إلى خزائن وحسابات مالكي المنشآت السياحية وخصوصا النّزل وهم حفنة من كبار الملاّكين الذين تصحّ عليهم تسمية “مالكي القطاع السياحي”.

أمّا النسبة الضخمة لليد العاملة المشتغلة في هذا القطاع فأغلبها وقتية (53%) أي موسميّة وهي تفوق مجموع المشتغلين في هذا القطاع بصفة قارّة وتدخل هذه اليد العاملة في ما تبقّى من المواسم في بطالة مقنّعة. وإذا كانت الأرقـام الرسميّة تستغلّ من قبل الدّولـة لإبراز أهميّة السياحة في الاقتصاد والمجتمع أي في النمو الاقتصادي والناتج الداخلي الإجمالي وفي التشغيل فإنّ الهزّة التي تعرّض لها هذا القطاع أخيرا تكشف مدى هشاشته نظرا لأنّ أقلّ حدث سياسي أو اجتماعي داخلي أو خارجي يؤثّر بشكل كبير في توازن هذا القطاع وفي مردوديته. ولذلك، فإنّ بناء اقتصاد يرتكز على نشيط شديد الحساسية بالمتغيرات والأحداث المحلية والإقليمية وحتى العالمية هو بناء سريع السقوط، وبالتالي، فإنّ أيّ اقتصاد من هذا النمط هو اقتصاد معرّض للانهيار وهذا الانهيار ستكون له انعكاسات خطيرة على المجتمع وخصوصا على الطبقات الشعبية التي تعيش من النشاط السياحي ومن الأنشطة الأخرى المرتبطة به.

ذلك أنّ مالكي هذا القطاع الذين يحصدون أرباحا طائلة أوقات الانتعاش لن تلحقهم أضرار كبيرة من تراجع أعداد الوافدين أو من غيابهم، فحتّى إن أغلقوا نزلهم فإنّ الثروة التي راكموها طيلة سنوات لن تتبخّر، أمّا الكادحــــون وعائلاتهم فمصيرهم الطرد والبطالة وما ينجرّ عنهما من مظاهر البؤس الاجتماعي .

وإذا كان الهجوم الإرهابي على شاطئ سوسة قد أدى الى طرد آلاف من الكادحين في السياحة، فإنّه جعل مالكي هذا القطاع يحصدون مزيدا من الامتيازات و يعود الفضل في ذلك إلى التركيبة الطبقيّة للدّولة الرّجعيّة القائمة التي لم تتخلّف عن إنقاذ البرجوازيين الكبار مع أنّهم ليسوا في حالة تدعو إلى الإنقـاذ. فها هي صاحبة النزل الذي هاجمه الإرهابيون مستغلّة موقعها في مجلس النوّاب عن حزب النداء، ترفع عقيرتها بالصياح داعية إلى اتّخاذ إجراءات سريعة لحماية السياحة وتأمين المنشآت السياحية أمنيا وماليّا، فقد طالبت الحكومة بإحداث صندوق لدعم المؤسسات السياحية تشارك في دعمه أيضا جهات أجنبية. وها هي رئيسة نقـابة الأعراف، التي لا يفوتها لا فرح ولا مأتم حتّى تطلّ برأسها، تنضمّ إليها وتقدّم مقترحات ضمن نفس الإطار من أجل الدّفـاع عن حقوق منظوريها الذين تضرّروا من الهجوم الإرهابي. وقد وجدت دعوات “الاستغاثة” هذه آذانا كلّها إصغـاء من قبل السلطات الرسميّة، فتناسى أصحاب القـرار تصريحاتهم حول الوضع الاقتصادي والاجتماعي الصّعب وتجاهلوا الخطر الإرهابي ومحوا الأرقـام التي يستنجدون بها في كلّ مرّة ترتفع فيها أصوات الكادحين مطالبة بتحسين أوضاعهم المعيشيّة.

 فالمـوارد والأمـوال تتوفّـر إذا ما استغاث نفر قليل من بين أصحاب الأعمال بينما تعللت الدّولـة بعجزها عن توفير أدنى ما يطالب به الكادحون. حتى لا تجبر على التداين وهكذا فإنه إذا تعلّق الأمـر بالبرجوازيين من أصحاب الملكيّات الكبيرة، فإنّ الدّولـة مستعدّة لتلبية جميع الطّلبات وتقديم مختلف الامتيازات، إذ لا صوت يعلو فوق صوت رأس المال.

وفي إطار الاستجابة لهذه الدّعـوات، تتالت الإجراءات والقرارات، إلى جانب رسائل الدّعم والمساندة والتشجيع ورفع المعنويات.

فأعلنت وزيرة السياحة خلال ندوة صحفية يوم 29 جوان 2015 عن إجراءات استثنائية لفائدة “مالكي قطاع السياحة” لمساعدتهم على تجاوز الأزمة المتوقعة. وتتمثل هذه الإجراءات في تأجيل خلاص أقساط القروض الممنوحة سابقا بأكثر من سنة بعنوان الأصل والفوائض مع إعادة جدولة هذه القروض وفوائضها حسب قدرة المؤسسة على التسديد.

وأقرّت الوزيرة أيضا منح قروض جديدة تسدد على مدى سبع سنوات منها سنتان إمهال وتخصص لتمويل نشاط المؤسسات السياحية خلال الموسمين 2015 و2016 وتقبل هذه القروض كمقابل لعمليات إعادة تمويل في السوق النقدية مع تحميل مخاطر عدم تسديدها على الدولة بضمان استثنائي. إلى جانب هذه الإجراءات والتسهيلات أعلنت الوزارة أيضا عن اتّخاذ إجراءات جبائيّة وتتمثّل في التخفيض في نسبة الأداء على القيمة المضافة من 12% إلى 8% وكذلك إعادة جدولة الديون الجبائية للمؤسسات السياحية تجاه الشركة التونسية للكهرباء والغاز والشركة التونسية لاستغلال وتوزيع المياه.

و اعتبر هؤلاء البرجوازيين هذه الإجراءات غير كافية، مطالبين الدّولة بتحمّل المزيد من الأعباء فأعلنت وزيرة السياحة عن حذف الطابع الجبائي الموظف على الأجانب عند مغادرتهم للبلاد التونسية والمحدد بـ 30 دينارا بالإضافة إلى التخفيض بنسبة 30% في أسعار النقل الجوي والبحري للجالية التونسية في الخارج على ان تتقاسم الدّولة ذلك مناصفة مع شركات النقل .

وبعد أقلّ من شهر، أصدر محافظ البنك المركزي منشورا تحت عنوان “إجراءات استثنائية لمساندة المؤسسات الناشطة في القطاع السياحي” وجّهه إلى المؤسسات الماليّة يدعوها من خلاله إلى تقديم قروض ميسّرة لأصحاب المنشآت السياحية.

وقد ورد الفصلان الأوّل والثّاني كما يلي: 22 جويلية 2015 ، منشور إلى مؤسسات القرض عدد12 لسنة 2015 إنّ محافظ البنك المركزي التونسي، قرّر ما يلي :

 الفصل 1 : يمكن لمؤسسات القرض تأجيل خلاص أقساط القروض الممنوحة لفائدة المؤسسات الناشطة في القطاع السياحي بعنوان الأصل والفوائض والتي يحل أجلها خلال سنتي 2015 و 2016. ويمكن التسديد انطلاقا من بداية سنة 2017 على فترة تأخذ بعين الاعتبار قدرة كل مؤسسة.

الفصل 2: يمكن لمؤسسات القرض منح قروض جديدة استثنائية تسدّد على مدة سبع سنوات منها سنتا إمهال وتخصص لتمويل حاجيات نشاط المؤسسات السياحية خلال الفترة من غرة جويلية2015 إلى غاية31 ديسمبر 2016 و دون أن تتجاوز 10% من قيمة الأصول الثابتة الصافية وفقا لقوائمها المالية المختومة في موفى سنة 2014.

 لقد سارع هذا المسؤول إلى الاستجابة لما أقرّته وزارة السياحة، وهو الذي كلّما أصدر بنكه تقريرا اقتصاديا وماليا إلاّ وركّز في مقدّمتـه على مظاهر الوضع الاقتصادي والمـالي الصّعب من قبيل تباطؤ النمو وضعف الموارد إلخ …من عبارات البكاء والتّباكي.

مقـابل ذلك لم ينبس أيّ مسؤول بكلمة واحدة حـول الكادحين الذين يُطردون يوميّا من المؤسسات السياحية والذين اضطرّوا إلى تنفيذ احتجاجات خاصّة في جهة سوسة، بل إنّ بعض وسائل الإعلام التي نقلت خبر الاحتجاج زمن وقوعه قامت بعد وقت قصير من حجبه من صفحاتها. في نفس السّياق، وتناغما مع منشور محافظ البنك المركزي، وتدعيما للدّعـوات التي تهاطلت من كلّ الجهات من أجل إنقـاذ المؤسسات السياحية وأصحابها، أعلن يوم السبت غرّة أوت 2015 وزير المالية في تصريح إذاعي عن تكوين لجنة للنظر في ديون المؤسسات السياحية، وأوضح الوزيـر أن اللجنة ستكون بالاشتراك بين وزارة المالية ووزارة السياحة والبنك المركزي.

أمّا على المستوى الأمني، فقد تكفّل رئيس الحكومة بتوفير الحماية اللازمة للممتلكات السياحية الفخمة، فأعلن يعد يوم واحد من هجوم سوسة وضع مخطط استثنائي لمزيد تأمين المناطق السياحية والمواقع الأثرية ونشر وحدات من الأمن السياحي مسلحة على كامل ا الشريط الساحلي وداخل الفنادق بداية من غرة جويلية 2015.

مقابل كلّ هذه الإجراءات الدّاعمة لأصحاب المؤسسات السياحية، ماذا أقـرّت الوزارة لفــائدة الكادحين الذين سيتم طردهم بدعوى ضعف إقبال السيّاح وغيرها من الحجج ؟ لقد اكتفت وزيرة السياحة، في كلامها المشار إليه سابقا، بالإعلان عن تمكين الأعوان المحالين على البطالة الفنية من منحة دون اشتراط توقف نشاط المؤسسة نهائيا للانتفاع بها.

و بهكذا إعلان بسيط توهم وزيرة السياحة آلاف الكادحين بضمان مستقبلهم غير ان تلك المنحة المجهولة المقدار والتي لا يعرف وقت صرفها تظل عاجزة عن تلبية متطلبات عيش هؤلاء الذين كانوا يعانون الفقر والخصاصة قبل الأزمة الأخيرة فازدادت أوضاعهم سوءا على سوء . 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق