الثقافةالفكرالفنونمنبرالراي

ثورة الياسمين :عندما يحاكي الفن واقعه ويكسر حاجز الصمت …تنطق الحرية

مرت عشر سنوات على أحداث 14 جانفي، دونت  وترسخت لحظاتها التاريخية في الذاكرة وترجمت في الواقع المعاش، إنها معانات شعب بأكمله يتوق إلى الحرية والديمقراطية  في تفاصيل حياته اليومية تراوحت بين الإبداع والتجسيد لفكر جديد ساهم في نشر ثقافة بديلة  كانت مقيدة بقوانين المحسوبية والمصلحة السياسية .

ثقافة جيل بأكمله تحررت من عبودية حقبة زمنية سيطر فيها النظام السابق على المشهد الثقافي وهو ما ساهم في خلق أزمة للمبدعين والفنانين والممثلين وغيرهم الذين باتوا يبحثون عن البديل .

الثورة التونسية تحرر الفن في تونس من القيود…

بعد الثورة عاد الفنانون إلى الغناء الملتزم  و”الراب” للتعبير عن الواقع  والوطن المضطهد ونقد الشأن السياسي والتعبير عن هموم ومشاكل الشعب.

 لاننس مطالب الفنانين والفرق الموسيقية حينها بالقطع مع المنظومة الثقافية السابقة ،التي غيبت الفنان والمبدع لسنوات عديدة  وهو عبر عنه الفنان لطفي بوشناق والفنان زين الصافي  لوسائل الإعلام “يجب أن يكون متحررا حتى يتجاوز الفنان المؤمن بفنه و برسالته ما عاشه على امتداد سنوات عديدة من تغييب وتهميش، ساهم في خلق أزمة نفسية للمبدعين الفنانين الذين لم يقبلوا أن تكون لهم ولاءات لأي نظام كان، أو أن يكونوا طرفا في التأسيس لثقافة غنائية متدنية المستوى توظفها السلطة لوضع يدها على المسلك الثقافي الهادف والراقي”.

 أصبحت الثورة مصدر إلهام لكل الفنانين الذين يسعون إلى نشر فن متحرر يهدف إلى رسالة المبادئ وقيم الأخلاق نتاجها ثورة في الأفكار والإبداع.

لم تقتصر محاكاة الفنان لواقع الشعب التونسي قبل وبعد الثورة في شعارات واحتجاجات للتعبير عن النقلة الديمقراطية والحرية بعد القمع وإنما حاول الفنان بمفهومه العام أن يترجم ذلك في الموسيقى و الدراما والسينما التونسية والمسرح والمعارض الفنية .

معارض فنية تجسد أحداث ثورة 14 جانفي /يناير2011

جسدت الثورة أحداثا لن تمحى من الذاكرة ترجمها بعض الفنانين والمصورين الفوتوغرافيين  والرسامين التشكيليين في معارض تحاكي قصصا واقعية عاشها شعبا بأحاسيسها ومشاعرها المتداخلة بين النصر والتحرر وبين الألم والفقدان .

لمحاكاة أحداث ثورة الياسمين ولتجسيد  كل مراحلها افتتح سنة 2018 المصور الفوتوغرافي أمين الأندلسي  معرضا للصور الفوتوغرافية الحية تحت عنوان “أمان” .

صورا تجمعت لتحاكي سلسلة من الأحداث خلال سنوات من الديمقراطية والحرية ليرسخ بعدا جماليا وينبش في أرشيف الذاكرة التي  امتزجت فيها الأفراح بالأتراح وتصارعت فيها عناوين الموت والحياة.

كما اختار بعض الفنانين التشكيليين أن تكون لوحاتهم أكثر شمولية لتحاكي تاريخ لبلاد كانت مهدا لثورات الربيع العربي وأن تنطلق من الثورة التونسية كنموذج لتمتد كامتدادها ولتبرز إرادة الشعوب التي تتوق للحرية والديمقراطية.

كانت مجمل اللوحات المعروضة في أروقة المعارض التونسية  تعكس المأساة التي تعيشها الشعوب إلا أنها تحمل  أيضا الأمل لتحقيق الحرية ، لطالما كانت حلما من أحلام شعوبا المضطهدة طيلة سنوات .

لقد كان  أيضا معرض”أربعطاش غير درج ” عملا إبداعيا عرض سنة 2019 وهو من إنتاج  إئتلاف متكون من المجتمع المدني ولجان علمية لمجموعة من الأساتذة الجامعيين  يعتمد على تقنيات سينوغرافية تجمع بين المقاييس المعتمدة من قبل المؤرخين والمختصين في الأرشيف.

ترجم ودون هذا العمل قصصا واقعية عاشها الشعب التونسي في العشرية الأولى بعد الثورة يؤرخ لمراحلها في كل أحداثها التاريخية والسياسية والإحتماعية وهو من تمويل وزارة الشؤون الثقافية بقيمة 100 ألف دينار حيث تم تركيزه في المتحف الوطني بباردو في تونس العاصمة . 

ويضمّ “أربعطاش غير درج ” ثلاثة أقسام كبرى، يحمل القسم الأول منها عنوان “تحت الرماد اللهيب”، ويتناول الفترة التي سبقت أحداث الثورة ومهّدت لقيامها. 

أما القسم الثاني فيتطرّق إلى الأدوار الحاسمة للثورة من تاريخ 17 ديسمبر/ كانون الأول 2010 إلى 14 جانفي/ كانون الثاني 2011. 

في حين يوثق القسم الثالث الأحداث التي تلت 14 جانفي/ كانون الثاني 2011 إلى غاية ماي/ أيار 2011.

المسرح يحاكي قصصا ثورية …

عاش المسرح التونسي أزمة الإقصاء والتقييد لسنوات مرت واليوم أصبحت الثورة هي المتنفس للخروج من بوتقة وأسوار التهميش إلى الحرية والديمقراطية حيث لجأ المسرحيون إلى الركح  للدفاع عن قيم ومبادئ ظلت طريقها لتتقمص رسائل هادفة وواضحة. 

وهو ما أكده الممثل المسرحي التونسي، حسين المحنوش في تصريح لوكالة الأناضول  ” فإنه منذ سنوات الاستقلال الأولى كانت هناك محاولات لشد أزر المسرح، وجعله مستمرا مرتكزا على أمور ثابتة من خلال تظاهرات (فعاليات) كانت تخدم هذا القطاع ومن بينها أسبوع المسرح الذّي كان يقام سنويّا.

احتفالا بالثورة التونسية تم عرض مسرحية “قمرة دم” سنة 2019 وهي من تأليف بسمة العشي التي تشارك في تمثيل أحد الدورين الرئيسيين إلى جانب الممثلة المسرحية مريم الصياح، تدور أحداث قصة المسرحية حول امرأتين تهربان عشية ليلة خسوف القمر بعد اغتيال امرأة ثالثة في ساحة المدينة، وهي الشاعرة هادية فهي رمز الثورة والتي تظهر كما لو كانت المثل الأعلى لهما المرأتين فلكلّ واحدة منهما حلم الأولى تحلم بالخلاص من خلال الحرية والعدالةـ والثانية تحلم بالخلاص اليائس من خلال الموت نفسه.

أخذت المسرحية صورة تقريبيّة  ذات منحى  نقدي جسّد كل أحداث الثورة التونسية خاصة دماء الشهداء التي كانت الثمن  في سبيل التحرّر من الديكتاتورية، وكذلك عن شهداء ما بعد 14 جانفي 2011 من القوات الحاملة للسلاح الذين أفدوا الوطن بدمائهم دفاعا عن قيم الحرية والديمقراطية، وإرساء ثقافة التنوع ضدّ ثقافة الموت التي تتبناها التيارات الدينية التكفيرية.

وكان مخرج المسرحية معز مرابط  قد صرح حينها لوسائل إعلامية “العمل مغامرة فنية لاستنطاق ما عاشته البلاد من خيبات خلال الفترة الانتقالية”، بعد سقوط النظام السابق، كما قال في مقابلة تلفزيونية سابقة معه إنه محاولة لتقديم الكثير من الآلام التي مرّت بها البلاد منذ 14 كانون الثاني/ يناير 2014، وهي آلام يعرفها كلّ تونسي.”

كانت المسرحية عملا فنيا يحمل في طياته إبداعا جمع بين النص والإخراج إلى جانب السينوغرافيا على إظهار ثنائيات الألم والأمل والحياة والموت، من خلال مفارقات الحوارات وأداء الممثلتين وملابسهما والإضاءة،كما  تم اختيار الحلم كوسيلة للخروج من الواقع في نهاية العرض المسرحي . 

إنه عمل مسرحي ينقد ويسخر في إطار لهجة كوميدية  بين المأمول  والواقع السياسي والإجتماعي والإقتصادي والثقافي.

أطلقت العديد من المسرحيات في نصوصها الإبداعية رسائل هادفة وتقمصا لشخصيات أرادت الحلم بواقع جميل لايحمل  في طياته ألما يشوه قلوبا تسعى دائما لنشر الحب والسلام إلا أن هنالك نصوصا مسرحية عاشت الواقع بتفاصيله اليومية هذا الواقع الذي يبعث في القلوب ألما وفقدانا لن يمحى من ذاكرتنا هنا نتحدث عن  عرض “العنف” في سناريو لجليلة بكار والفاضل الجعايبي ونص جليلة بكار و الاخراج والسينوغرافيا والانارة الفاضل الجعايبي وهو عرض من انتاج المسرح الوطني .

كان على  الركح كل من جليلة بكار ،فاطمة بن سعيدان ،نعمان حمدة ،لبنى مليكة وثلة من المسرحيين الشبان وهم على التوالي نسرين مولهي ،ايمن الماجري ،احمد طه حمروني،معين المومني .

العنف مسرحية حزينة لما فيها من أحداث دامية تقتل ما تبقى من الأمل فالمتابع يعتريه وجعا إنسانيا .

يعتبر هذا العرض المسرحي رؤية فنية أماطت اللثام عن “الإنسان الوحش” من خلال مشاهد قاسية ومرعبة تهز الكيان والوجدان وتبعث في نفوسنا التساؤل عن أسباب الجرائم التي استفحلت في أوطاننا الشيء الذي جعل الإنسان يتمرد للوصل إلى غاياته وطموحاته.

السينما والدراما التونسية إبداع ثورة… 

تحررت السينما بعد الثورة في تونس  حيث خرجت من الإقصاء إلى الانفتاح لتصبح سينما تحرر الأفكار دون رقابة و تهميش وتقييد، تطرقت في مواضيعها إلى الثورة من قريب أومن  بعيد بأساليب مختلفة ونذكر منها فيلم قصرالدهشة للمخرج التونسي مختار العجيمي الذي عرض ضمن المسابقة الرسمية لأيام قرطاج السينمائية في دورتها السادسة والعشرين سنة 2015.

تدور أغلب أحداث الفيلم في  قصرا أصبح مؤسسة للرعاية الاجتماعية و النفسية  خاصة خلال الليلة الفاصلة بين 13 و14 جانفي 2011 ،حيث وظف المخرج بعض لقطات الاحتجاج  التي تداولتها وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي وقتها .

أصبح القصر يجمع شرائح متنوعة من المجتمع بأفكار مختلفة  ومن هنا بدأت المتناقضات التي اختلط فيها الجنون والتعقل، والحِلْم والعَتَه، والفتنة والحكمة، والرصانة والتهور والتسلط والرحمة .

حسب تصور مختار العجيمي لأحداث الفيلم ” فالحاكم أو الطبيب أو مدير السجن كان همه الوحيد هو السيطرة على مرضاه أو سجنائه بتخديرهم حتى لا تصلهم المعلومات من خارج أسوار السجن او المستشفى فكان يتفنن في تعذيبهم وإذلالهم وابتزازهم وإرغامهم على العيش والتأقلم مع الظلمة التي اختارها لهم حتى لا يتأثرون بما يدور في الخارج.”

كما نجحت السينما التونسية في تخليد الثورة التونسية التي  كانت مهدا للثورات العربية وذلك من خلال عمل سينمائي درامي عائلي “بيك نعيش” للمخرج مهدي البرصاوي  في 2020 يتمحور حول عائلة تونسية تتعرض خلال جولتها السياحية لهجوم إرهابي  في أواخر سنة 2011، بمدينة تطاوين في الجنوب التونسي ويصاب ابنهما بالرصاص مما يستدعي نقل كبد له، وبعد إجراء الفحوص اللازمة يكتشف الزوج أن الابن ليس ابنه مما يحدث شرخا في علاقته بزوجته، لكن هذا لا يثنيه عن محاولة إنقاذ حياته.

تحصل الفيلم على العديد من الجوائز واستحسان النقاد والجمهور في تونس منذ بدء عرضه تزامنًا مع ذكرى ثورة 14 كانون الأول/ يناير في البلاد. 

وصرح البرصاوي  لوسائل الإعلام “أنه انطلق من حكاية بسيطة لعائلة تجد نفسها في مكان ما وفي توقيت سيء، ليضع الإصبع على مسائل حساسة ومعقدة كالفساد، والحريات، والتناقضات المجتمعية العميقة في مرحلة ما بعد الثورة في تونس.”

شكلت شخصية الأب فارس الذي يجسدها الممثل الفرنسي التونسي سامي بوعجيلة، والأم مريم التي تجسدها التونسية نجلاء بن عبد الله، محورًا تدور حوله باقي الشخصيات في الفيلم، ومن خلالها يكشف المخرج قصصًا صادمة.

من بين الأفلام التي نجحت في محاكاتها للواقع التونسي قبل وبعد الثورة فيلم “تونس الليل”  الذي لخص حياة  المثقف التونسي مع اندلاع الشّرارة الأولى للثورة التونسية في 17 ديسمبر/ كانون أول 2010، وانعدام حرية التعبير، ما جعله يدخل في حالة من الحيرة والضياع تتسبّب في تشرّد عائلته. 
“تونس الليل” هو فيلم روائي استغرق تصويره عامين بداية من سنة 2015، لقد قام بدور البطولة فيه كل من رؤوف بن عمر، وأمال الهذيلي، وأميرة الشبلي، وحلمي الدريدي.
تدور أحداثه حول قصة المذيع “يوسف” الذي قضى أكثر من 20 عاما في العمل بالإذاعة الرسمية في تونس،كان يقدم برنامجا ثقافيا عن الأدب والشعر، غير أن خبر إقدام محمد البوعزيزي على إحراق نفسه في ديسمبر/ كانون أول 2010، قلب حياته المهنية رأسا على عقب، ليجد نفسه في مواجهة سياسة الإذاعة التي أرادت التعتيم عن الخبر، والتّحدث عن إنجازات الرئيس حينها زين العابدين بن علي.

واعتبر بن عمر في تصريحاته، “أنّ “دور يوسف مختلف جدا عن أدواره السينمائية والدرامية السابقة،  باعتباره يعالج مأساة الصحافيين في تونس، وحالة الضياع التي يشعر بها المثقف بصفة عامة قبل وبعد الثورة بسبب تقييد حرية التعبير.”

دراما  الإبداع في الثورة التونسية 

تخليدا لذكرى الثورة عرضت التلفزة الوطنية  المسلسل الرمضاني التونسي “الزوجة الخامسة ” سنة 2013    للمؤلف جمال الدين خليف وإخراج الحبيب المسلماني وهو مسلسل اجتماعي يتضمن 15 حلقة  لخصت الواقع التونسي  وتدور أحداثه المخضرمة في عهد ما قبل ثورة 14 جانفي وما بعدها  .

حاول المؤلف من خلال عمله الدرامي طرح مواضيع وإشكاليات ممنوع الحديث عنها قبل الثورة فهي كانت تعتبر خطا أحمرا في المجتمع التونسي مثل  الزواج العرفي والزواج بالقاصرات والتحرش الجنسي والمعاملة السيئة للمرأة.

كما طرح المسلسل موضوع المخدرات و السوق السوداء وتجارة الممنوعات، وما ينجر عنها من جرائم خطيرة، عندما يقف وراءها أحد الرموز الذين لا تطالهم يد العدالة والتدخل في سير القضاء وفقدان بعض القيم والأخلاقيات في مجتمع يسوده الفساد على كل المستويات بالإضافة إلى المحسوبية واستغلال النفوذ.

شارك في هذا العمل الدرامي العديد من  الممثليين التونسيين من بينهم علي بنور، فتحي الهداوي، درصاف مملوك ،زكية بن عياد، فتحي المسلماني، حسام الساحلي ،خالد هويسة ،جلال الدين السعدي ،إكرام عزوز،روضة المنصوري، سفيان الداهش،محمد اليانقي،توفيق الغربي…..

نجح أيضا  مسلسل “المايسترو” الذي عرض في رمضان 2019 في نقل الواقع خاصة وان بعض الممثلين عاشوا التجربة الإصلاحية واختار مخرج العمل، الأسعد الوسلاتي، وجوها جديدة لهذا العمل أغلبها من الشبان، فكان التميز من نصيب الممثل غانم الزرلي الذي حصل على جائزة أفضل ممثل.

كشف مسلسل مايسترو عن الانتهاكات  المسلطة على المساجين  والتمييز في المعاملة  والمخدرات التي كانت سببا في ضياع أجيال ، فكل المواضيع التي عالجها المسلسل هي بمثابة رسالة هادفة وهي أن العنف لا يولّد إلا متاهة من الإجرام .

كتب القصة والسيناريو عماد الدين الحكيم وشارك في تمثيله  فتحي الهداوي وأحمد الحفيان ودرة زروق وغانم الزرلي. 

لقد كانت ثورة الياسمين شرارة الإلهام لعدد من المبدعين والفنانين الذين اختاروا تجسيد مختلف أعمالهم من مخاض الثورة التي نبشت في الذاكرة الإنسانية لتبدع وتتجسد في أعمالا ابداعية كان لها دورا هاما في نقل الأحداث وتوثيقها لإدانة الأنظمة والحكام .

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق