الفكر

القاريء بين الرواية والفيلم

تساؤلات تدفع للتفكيروالبحث عن السرية الكامنة والعميقة المحركة لعالم النص , بحيث تكون القراءة اجمل من المشاهدة. مما لاريب فيه, ان النص يكتب ليمثل , ليقدمه ممثلون .

وقد يذهب البعض في التفسير قائلا : ان عالم المسرح تقنيا وتكنلوجيا دون مستوى السينما على سبيل المثال , والسينما لها تقنية كبيرة ووسائل متطورة يقف المسرح امامها فقيرا . لكن حتى السينما وكل ماتمتلك من تقننيات كبيرة , تكون أحيانا دون النص , ولم ازل اتذكر جيدا رواية ( زوربا ) للفيلسوف و الروائي والمؤلف المسرحي اليوناني ( كازنتزاكي) , والمتعة الكبيرة وانا أقرأ النص بروية وببطء شديد خشية ان تتم قراءة الرواية وتنتهي.

فالصورة الكبيرة للبطلين والعالم المصطرع والاعراف الاجتماعية , ولغة الروائي بوصف الطبيعة والناس, والابطال وهواجسهم , والافكار وانثيالها , الصورة الادبية متحركة وان كانت تعبر عن حالة من التهشم والانشطار للبطل الذين شطر الى بطلين احدهما يمثل الرغبة والآخر يمثل العقل.

كان الصراع بين الجموح والكبح, وصور الرواية تترى دون توقف , بلغة ساحرة جذابة غنية بالتعبير واقتناصه,كانت القراءة تتجلى بمتعة المتابعة للعالم الذي اضحى ملموسا مدركا بالخيال, تراه بتفاصيله الثرية, ويهيمن بقوة . اما الفيلم الذي مثله ( انطون كوين ) العملاق ورقصته الشهيرة بالفيلم ,وادائه الجميل , ولكن لم يبلغ الفيلم برمته , الرواية واجوائها المذهلة , وقد شاهدته لأكثر من مرة وفي أوقات مختلفة والفاصلة بين المشاهدات سنوات , الا ان النتيجة هي ذاتها , الفيلم لم يبلغ مستوى الرواية , على الرغم من ان الصورة ابلغ بالتعبير واكثر ايجازا ووضوحا, لكن الصورة الادبية في الرواية تملك من الشفافية والظلال التي لم يستطع الفيلم بلوغها.

السؤال يعاد ثانية : لم يكون النص اقوى من العرض ؟ على الرغم من كون نص العرض هو في حقيقته مجموعة من النصوص, تتحرك بقصدية تدعيم العرض وبلوغ اكبر قدر من التاثيرعلى المتلقي , فما السبب!!؟ اهو ضعف الاداء التمثيلي , و(انطون كوين ) لايرقى اليه الشك, أهو أختزال النص, أو التلاعب فيه,وقلب عاليه سافله , وعلى حد علمي ومعرفتي ان الفيلم حافظ على نص الرواية , واجتهد المخرج بتجسيده, فما الذي حدث اذا !!؟ ان خيال القاريء / المتلقي واسع لايحده حد.

ويستطيع ان ينسج من داخل النص نص آخر, والقراءة المتأنية الهادئة الباحثة في طيات النص , انما تبحث عن فجوات تنصهر فيها , وتنحت وجودها في اعماق النص وصوره المختلفة , فتزيد من شدة تأثير النص – اي نص- وبالتالي يدخل القاريء طرفا في معادلة صياغة النص ذاته , بكلمة أخرى يضيف القاريء خبرته ومرجعياته فضلا عن خياله بتحريك النص .

 فالقاريء داخل فجوات النص, يعيد صياغة العالم المتخيل بما يجعله عالما مرنا شفافا معبرا عن كنة الوجود. وفي ضوء ما تقدم , يمكن القول: ان القاريء يحدد وجة النص بما يملك من قوة وطاقة ,دون رقيب , وموجه , بكلمة أخرى , القاريء يفرض سلطته على النص ويهيمن عليه.

وبالتالي يقود حركة الاحداث والاجواء ويبني الصور واحيانا يعيد قراءة مقاطع من الرواية مرات مختلفة وفي أوقات متبانية ليشكل متعة تكوين الصوروغرسها في متن النص -الرواية – وبذلك يعيد تشكيل العالم المتخيل وفق سياق نظام القاريء وبرامجه بالتفكير والتصور , ان ذلك يتيح بناء عالم مندمج مع القاريء يتزود بطاقة خيال القاريء وقدرته بانشاء عوالم متعددة دونما قيد أو شرط , اشبه بلحظة حلمية يستغرق فيها القاريء في النص منسلا من عالم الواقع الى واقع آخر أفتراضي , يفرض نفسه ويتجذر بعمق ودرجة خيال القاريء. ان النص –الرواية – ملك للقاريء , وهذه كلمة أفتراضية , أما الفيلم المجسد للرواية .

 فأن عقل أخراجي يقود الفيلم , فضلا عن الممثلين والتقنيين , وسيشكلون خطابا ما للفيلم وفق منظورهم , وهذا يعني, انهم سيشكلون النص على وفق رؤيتهم للكون والعالم والحياة , بالتالي سيتم تحديد الصور والافكار والهواجس ضمن أطار محدد, يطلب من القاريء – المشاهد – الخضوع لهذا المنظور .

بالتالي سيفقد القاريء سلطته, وتحجم قوته , ويكون العرض ضمن أطر وزوايا بالغة التحديد, فيفقد القاريء الشغوف بالنص الروائي ,على متعة نسج عالم تخيلي, فالمقارنة تبقى قائمة بين ما يشاهده بالفيلم وما سبق له ان قراءه بالنص الروائي , فخيال القاريء يبحث في عرض الفيلم من لقطات واجواء وايقاع عن درجة التماثل بين مايراه وما سبق له قرأته , ونحت تصورات جامحة حولها , لهذا يصعب على قاريء من هذا النوع الاقتناع أو الايمان بكل مايقدم , فان بعض الثراء المعرفي , والتذوق الجمالي , أحيانا يكون سببا بعدم تذوق كل ما يقدم , وله عذره في ذلك .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق