تحقيقات

العقوبات البديلة و مكتب المصاحبة في سوسة الواقع و الآفاق

إلى الآن العقوبة ليست غاية في حد ذاتها بقدر ما هي وسيلة للردع وإيقاف ظاهرة العود ، إلا أن تطور الدراسات والإحصائيات حول نجاعة العقوبات يبين أن الصرامة الجزائية ليست شرطا لتحقيق النجاعة الجزائية.

نشير كذلك إلى أن تجربة العقوبات البديلة في المنظومة الجزائية التونسية انطلقت منذ فترة حيث تفيد الإحصائيات أنه منذ بداية العمل بهذا القانون (خلال السنة القضائية 2002-2003) وإلى حد الآن بلغ عدد القضايا التي قضت فيها المحكمة بالعقوبات البديلة حوالي 3000 قضية.

يمكن تعريف العقوبة البديلة بأنها فرض عقوبة غير سالبة للحرية ضد المحكوم عليهم،وقد عرفها البعض بأنها مجموعة من البدائل التي يتخذها القاضي تتمثل في ابدال عقوبة السجن بخدمة يؤديها السجين لفئة من فئات المجتمع،او لموقع خيري،او الالتحاق بمرفق تعليمي يستفيد منه السجين بهدف اصلاحه وحمايته من الاذى وتقديم خدمة لمجتمعه.

ويعرّف المشرع التونسي العقوبات البديلة بأنها عقوبة العمل لفائدة المصلحة العامة تنفّذ في المخالفات والجنح المحكوم بها لمدة لا تتجاوز 6 أشهرا سجنا بحضور المتهم غير العائد. ويخول القانون للمحكمة عند إصدارها عقوبة بالسجن في المخالفات والجنح المحكوم بها لمدة لا تتجـاوز 6 أشهر بحضور المتهم غير العائد، استبدالها بنفس الحكم بعقوبة تعويض مالي يتعين على المتهم دفعه للمتضرر بمقدار يتراوح بين عشرين (20) دينارا على الأقل وخمسة آلاف (5000) دينارا على أقصى تقدير في أجل ثلاثة أشهر, وحسب الفصول 5 و15 مكرر وما بعدها من المجلة الجزائية والفصل 335 وما بعده من مجلة الإجراءات الجزائية, فإن هذا الإجراء لا يحول دون حق المطالبة بالحق المدني, وفي حالة عدم تقديم ما يثبت تنفيذ عقوبة التعويض الجزائي, فإن النيابة العمومية تواصل إجراءات تنفيذ العقوبة السجينة المصرح بها.

وعن الجرائم التي يشملها تفعيل العقوبة البديلة هي ,الاعتداء بالعنف الشديد الذي لا يترتب عنه سقوط مستمر أوتشويه , القذف والمشاركة في معركة ,مخالفة قانون الطرقات باستثناء جريمة السياقة تحت تأثير حالة كحولية , اكتساح ميدان اللعب أثناء المقابلات ,ترديد شعارات منافية للأخلاق الحميدة والتجاهر بما ينافي الحياء, الاعتداء على المزارع وعلى عقار مسجل والاستيلاء على مشترك قبل القسمة ,السكر المكرر , إصدار شيك دون رصيد شرط خلاص المستفيد والمصاريف القانونية ,جرائم مخالفة قانون الشغل وقانون الضمان الاجتماعي وحوادث الطرقات , جرائم إهمال عيال وعدم إحضار محضون.

 ويشترط التصريح بعقوبة العمل لفائدة المصلحة العامة على أن يكون المتهم حاضرا بالجلسة ويعبر عن ندمه وأن لا يكون عائدا و قبل التصريح بالحكم إعلام المتهم الحاضر بالجلسة بحقه في رفض العمل وتسجيل جوابه وفي صورة الرفض تقضي المحكمة بالعقوبات المستوجبة الأخرى.

وتتولى المحكمة ضبط الأجل الذي يجب أن ينجز فيه العمل على أن لا يتجاوز هذا الأجل 18 شهرا من تاريخ صدور الحكم كما أنه لا يمكن الجمع بين عقوبة العمل لفائدة المصلحة العامة وعقوبة السجن.

هذا و تتم العقوبة البديلة بالمؤسسات العمومية أوالجماعات المحلية أوالجمعيات وقبل تنفيذ العقوبة البديلة يتم عرض المحكوم عليه على الفحص الطبي للتحقق من سلامته من الأمراض المعدية ومن قدرته على إتمام العمل.

ورغم التنصيص عليها في التشريع الجنائي وتحديدا في الفصل 15, فإن الوضع الحالي لا يسمح بتطبيقها على نطاق واسع لأن المؤسسات العمومية لا تزال ترفض تشغيل المدانين جزائيا, ولأن الدولة لم تحدث إلى حدّ الآن منظومة تحفيز وتشجيع للمؤسسات التي تقبل بتشغيل المدانين جزائيا لفائدة المصلحة العامة.

 بالاضافة الى ان التشريع المعتمد في تطبيق العقوبة البديلة في العموم ما يزال غير قابل للتطبيق, لذلك لا بد من تفعيل مراجعة شاملة للتشريع الجاري به العمل من أجل تطبيق الفصل 15 من التشريع الجنائي الذي ينص على تطبيق العقوبة البديلة ومن أجل أن يصبح لهذه العقوبة معنى.

هذا وقد انطلقت منذ 23 جانفي 2013 تجربة بولاية سوسة وهي برنامج المصاحبة النموذجي وهي خلية جديدة تعنى بتفعيل عقوبة العمل لفائدة المصلحة العامّة تحت إشراف وزارة العدل وهو عبارة عن مشروع نموذجي أُحدث بالتعاون مع مؤسسة المصاحبة بمقاطعة فود vaud السويسرية واللجنة الدولية للصليب الأحمر وانطلق في العمل الفعلي للمصاحبة في 23 جانفي 2013.

أما بالنسبة إلى مهام مكتب المصاحبة فيذكر أنها تتمثل في مرحلة أولى في :

– متابعة تنفيذ عقوبة العمل لفائدة المصلحة العامة من قبل أعضاء مكتب المصاحبة.

-مراقبة حسن سير برنامج العمل لفائدة المصلحة العامة.

– توجيه ومساندة المحكوم عليه بالدعم المعنوي وحسن الإحاطة النفسية وفي مرحلة ثانية :

-ترتيب ومتابعة عملية تنفيذ العقوبات في حظيرة المجتمع.

 -الحد من ظاهرة العود.

 -منح فرصة للمحكوم عليه بغاية الإصلاح والاندماج بالمجتمع من جديد.

– التقليص والحد من ظاهرة الاكتظاظ بالسجون.

– العمل على تفعيل العقوبات البديلة لتيسير.

وقد استفاد 488 محكوما من برنامج المصاحبة 139 منهم صدرت في حقهم عقوبات بديلة لفائدة الصالح العام و 233 انتفعوا بالية السراح الشرطي من قبل قاضي تنفيذ العقوبات .

هذا وقد قلص البرنامج بما يقارب من ربع نزلاء السجن المدني بالمسعدين و كان الية متميزة في للتخفيف من الاكتضاظ و الضغط داخل السجن.

ومن المنتظر ان يتم تعميم هذه التجربة على سجون 8 ولايات اخرى وهي تونس و القيروان وصفاقس و قابس وبنزرت و الكاف وقفصة و مدنين.

 ويعتبر هذا البرنامج بمثابة التجربة الناجحة وذلك بشهادة الخبراء الدوليين و منظمة الصليب الاحمر .

إن إجراء العقوبة البديلة هو إجراء شائك لأن المناخات اللازمة لتطبيقه غير متوفرة بما أن عزوف المؤسسات العمومية عن قبول المدانين المحكومين بهذه العقوبة ،اضافة الى أن تفعيل العقوبة البديلة يتطلب توفر إمكانيات مادية كبرى من الدولة, الأمر الذي يجعل تطبيق هذه الآلية صعبا نوع ما نظرا للصعوبات الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها البلاد خاصة أنه لا يوجد توجه مكتمل أو استراتيجية وطنية متكاملة لتفعيل العقوبة البديلة داخل منظومتنا السجنية وذلك من خلال ضبط العلاقة بين السلطة التنفيذية أي وزارة العدل والهياكل الاقتصادية والاجتماعية بالمؤسسات العامة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق