الجمعة، 26 أفريل 2019
الجينالوجيا في فلسفة نيتشه

الجينالوجيا في فلسفة نيتشه

 خديجة المسعودي

تبدو فلسفة نيتشه كمحاولة جازمة لقلب النفس الفلسفي للميتافيزيقا الغربية و استبدال مشكلة الوجود بمشكلة القيمة، هاهنا يمكن أن نذكر أهمية المنهج الجينيالوجي في فكر نيتشه ، فهو يفكك خطاب الميتافيزيقا و يقوم بهدم إجراءات تشكّل هذا الخطاب و تقويضها،كما هو كشف عن لحظة الخلق التي تعقب ضربات مطرقة النقد و التفكيك و لعلّ هذا ما يتجلى في كتابه "جينيالوجيا الأخلاق".

يعتبر المنهج الجينيالوجي في الفلسفة النيتشوي منهجا ساهم في البحث في مسألة القيم و تعريتها من الأقنعة الأخلاقية و العادات و الدين و فضح أصولها .

كما يعود له الفضل في كشف أن القيم السائدة مجرد أكاذيب و أوهام تبعث على النفاق و الانحطاط و الوهن و المرض. فالمشروع النيتشوي يتمثل في تدمير النظريات الأخلاقية و إعادة بنائها جينيالوجيا و ذلك من خلال الغوص في الأعماق و التقويم القيمي و لعلّ هذا ما ما بينه قارئ الفلسفة النيتشوية جيل دولوز في كتابه "نيتشه و الفلسفة".
على هذا النحو، يمكن القول أن الجينيالوجيا هي بالأساس دراسة النشأة و التكوين للوقوف عند الأصل، و هي قيمة الأصل و تتعارض مع كل ما هو مطلق .

لقد كان النقد بالنسبة لنيتشه بمثابة التفكيك لتنظيم العلوم و الفلسفة من جديد ، نتبيّن هذا من خلال نقده الموجه لنفسانيين الانكليز في كتابه "جينيالوجيا الأخلاق" الذين قاموا بإنشاء تاريخ لأصول الأخلاق في محاولة للبحث عن أصل القيم و "أصل الخير و الشر" ، و "الطيب و الخبيث" ،و اعتبر نيتشه في هذا السياق أن الأبحاث الأخلاقية لنفسانيين الانكليز سخيفة و مبنية على "النسيان" و "العادة" و "الخطأ.
من هذا المنظور، يمكن القول أن التفكير الفلسفي الذي يفتتحه السؤال الجينيالوجي يسعى إلى هدم السائد و إعادة الخلق و التأسيس هو إقامة لتاريخ جديد للفلسفة بصفة عامة و للقيم بصفة خاصة . فهو استذكار لتاريخ الفلسفة و ليس استرجاعا لها و يسعى إلى تأسيس تاريخ جديد للفلسفة. ويتمثل الإطار الإشكالي لجينيالوجيا الأخلاق في قلب السؤال الميتافيزيقي .

فهذا الأخير يندرج في إطار مشروع "تقويم القيم " التي تقوم على حركة مزدوجة تتمثل في إرجاع الظواهر و الأشياء إلى أصولها و مصادرها و تحديد قيمتها و عليه تعتبر الجينيالوجيا في هذا الإطار منهجا نقديا للمسألة القيمية من حيث أصلها و مشروعيتها.
كما أن الجينيالوجيا تعدّ دراسة معمقة للجذور الخفية لما تحمله الأوثان من أوهام خفية و لقد استطاعت فلسفة المطرقة تحطيم الاستنتاجات الأخلاقية و الكشف عما تعتريه من أكاذيب و تلاعب مزدوج و ذلك بالبحث في عمق معايير "العادات الأخلاقية " و نسف الأوهام التي شكلتها الفلسفة و لعل هذا ما اقتضته ضرورة قلب القيم السائدة و تقويمها و ذلك من خلال السعي إلى تجاوزها في مواجهة العدمية الأوروبية التي استطاع نيتشه فضحها بفضل جينيالوجيا الأخلاق التي تبحث في أصل الأشياء و توضّح التصورات .

و هذا ما يتضح لنا من خلال قولة فيلسوفنا التي تدعو للنظر في عمق الأشياء التي تمثل الحقيقة بصفة عامة و في أصل الأخلاق بصفة خاصة و لعلّ هذا نلحظه من خلال سؤال نيتشه التالي :" أيّ أصل هو في الحقيقة أصل الخير و الشّر لدينا؟
بناء على ذلك تعتبر جينيالوجيا الأخلاق بمثابة أداة تفكيك و نقد و مراجعة لجلّ الأخلاقيات و العادات و التعاليم المسيحية ووسيلة فاعلة و قادرة على النزول إلى الأعماق و التنقيب عن أصل الأخلاق و التمييز بينها و فضح للحداثة و ما يسودها من التباسات و غموض .

 

 

قراءة 14898 مرات آخر تعديل على الجمعة, 06 جانفي 2017 10:57
(6 أصوات)
قيم الموضوع

الموقع : www.new-media.tn

contact@new-media.tn

هيئة تحرير جريدة الاعلام الجديد الالكترونية

الدخول للتعليق